top of page

ازدواجية المعايير في السياسة العالمية: فنزويلا، غزة، واختبار الأخلاق الدولية

بقلم: د. وردة سعدة


لا يمكن فهم ما تتعرض له فنزويلا اليوم، ولا الطريقة التي يُقدَّم بها نيكولاس مادورو في الخطاب الغربي، خارج السياق الأوسع للسياسة العالمية القائمة على ازدواجية المعايير. فالقضية ليست شخص مادورو وحده، ولا طبيعة نظامه فقط، بل النظام الدولي نفسه: كيف يعرّف الشرعية، ومن يملك حق العقاب، ومن يُستثنى من المحاسبة.

نيكولاس مادورو ليس نموذجًا ديمقراطيًا ليبراليًا، ولا يمكن تبرئة نظامه من مسؤوليات حقيقية: تضييق على المعارضة، تركيز للسلطة، إخفاقات اقتصادية فادحة. غير أن هذه السمات، بحد ذاتها، لا تفسّر مستوى العقوبات، والحصار، والتهديد المستمر الذي تواجهه فنزويلا. فالعالم مليء بأنظمة أكثر استبدادًا، وأقل تمثيلًا، وأكثر قمعًا، لكنها لا تُحاصَر ولا تُشيطَن، بل تُحتضَن وتُدعَم.

السعودية، على سبيل المثال، لا تعرف انتخابات وطنية، وتقوم على حكم مطلق، ومع ذلك تُعد حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة. مصر شهدت انقلابًا عسكريًا واضحًا، وغيابًا شبه كامل لتداول السلطة، لكنها تحظى بدعم سياسي وعسكري ثابت. الإمارات دولة بلا حياة سياسية تعددية، ومع ذلك تُقدَّم كنموذج “استقرار وحداثة”. إسرائيل تمارس احتلالًا طويل الأمد ونظامًا قانونيًا مزدوجًا، لكنها تحظى بحصانة شبه مطلقة من المحاسبة الدولية.

ما الذي يجمع بين هذه الحالات؟

ليس احترام حقوق الإنسان، ولا الالتزام بالديمقراطية، بل التموضع داخل المنظومة الجيوسياسية الغربية.

فنزويلا، على العكس، خرجت عن هذا الاصطفاف:

رفضت الهيمنة الأمريكية، تحالفت مع خصومها، استخدمت النفط خارج آليات السيطرة التقليدية، واتخذت موقفًا صريحًا داعمًا لفلسطين. هنا يصبح الاستبداد غير مقبول، وتصبح الأخطاء السياسية “جرائم من كونية”، وتُستدعى لغة الأخلاق لتبرير العقاب الجماعي.

العقوبات المفروضة على فنزويلا، كما على كوبا من قبلها، لا تستهدف النخب الحاكمة بقدر ما تضرب المجتمع بأكمله: الصحة، الغذاء، العملة، الهجرة. ومع ذلك، يُقال إن “النظام فشل”، وكأن الحصار عامل محايد لا علاقة له بالانهيار. هذه مفارقة أخلاقية صارخة: يُنتَج الألم سياسيًا، ثم يُستَخدم كدليل إدانة الضحية.

هذا المنطق ليس جديدًا.

في تشيلي، دعمت الولايات المتحدة انقلاب بينوشيه الدموي لأنه أطاح بحكومة منتخبة خرجت عن الخط الاقتصادي والسياسي الأمريكي.

في جنوب أفريقيا، استمر دعم الغرب لنظام الفصل العنصري لسنوات طويلة، إلى أن أصبح بقاؤه عبئًا أخلاقيًا لا يمكن تبريره.

في كوبا، فُرض حصار طويل الأمد باسم الحرية، لكنه لم يُنتج ديمقراطية، بل عزلة ومعاناة، ولا يزال مستمرًا رغم تغير العالم.

في كل هذه الحالات، لم يكن المعيار أخلاقيًا، بل وظيفيًا: هل يخدم النظام القائم ميزان القوة أم يهدده؟

هنا يتقاطع مسار فنزويلا مع غزة، رغم اختلاف الجغرافيا والسياق. في غزة، يُعاقَب شعب كامل تحت عنوان “الأمن”. في فنزويلا، يُعاقَب شعب كامل تحت عنوان “الديمقراطية”. اللغة تختلف، لكن المنطق واحد: تحويل الإنسان إلى أداة ضغط، لا إلى قيمة بحد ذاته.

القانون الدولي، نظريًا، يرفض العقاب الجماعي، ويدين الاحتلال، ويحمي السيادة. لكنه عمليًا يُطبَّق انتقائيًا. لا لأنه فشل، بل لأنه أُفرغ من مبدأ المساواة. الشرعية لم تعد نابعة من القانون، بل من القوة. ومن يملك القوة يملك حق تعريف ما هو أخلاقي، وما هو مشروع، وما هو “دفاع عن النفس”.

الدفاع عن فنزويلا، أو عن غزة، لا يعني تبرئة الأنظمة أو تبرير كل السياسات. بل يعني رفض منطقٍ واحدٍ خطير: أن تُقاس الكرامة الإنسانية بمعايير سياسية، وأن تُمنح الحقوق أو تُسحب بحسب موقع الدولة من خريطة النفوذ.


ويتضح هذا التناقض بشكل أكثر فجاجة حين ننظر إلى الممارسات الفعلية خلف الخطاب المعلن. ففي الوقت الذي تُبرَّر فيه العقوبات على فنزويلا باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، كشفت تقارير صحفية أمريكية عن تواصل إدارة ترامب مؤخرًا مع شركات نفط أمريكية صودرت أصولها في فنزويلا قبل عقود، ودعوتها إلى الاستثمار بكثافة في البلاد إذا أرادت تعويض تلك الأصول. هذا المعطى لا يُقدَّم كـ«دليل إدانة» بحد ذاته، بل كمؤشر كاشف: حين تُفتح أبواب الاستثمار النفطي، تتراجع فجأة لغة العزلة والعقاب، ويُعاد تعريف الأزمة بوصفها “فرصة اقتصادية”. هنا تتعرّى هشاشة الخطاب الأخلاقي، ويتقدّم النفط من جديد كعامل حاسم في رسم السياسات، لا بوصفه تفصيلًا اقتصاديًا، بل كمعيار فعلي للشرعية.


في عالم يدّعي الدفاع عن القيم، يبقى السؤال الأخلاقي مفتوحًا:

هل الإنسان قيمة غير مشروطة؟

أم مجرد تفصيل في لعبة الأمم؟

هذا السؤال، لا مادورو وحده، هو ما تخشاه السياسة الدولية اليوم!!




bottom of page