top of page

الصوت النسائي ضرورة للسلام والعدالة والطمأنينة

تاريخ التحديث: 13 فبراير

بقلم: جيهان حيدر حسن يمكن للصوت النسائي أن يكون له تأثير كبير في حركات الاحتجاج والتغيير. وأبرز مثال من العصر الحديث هو روزا باركس، المرأة الأمريكية الإفريقية الشجاعة التي كسرت الأعراف التي تسمح بازدهار الجريمة. كذلك، لا يحدث تغيير عميق من دون النساء، إذ أظهرت الدراسات والخبرة العالمية أن عمليات التغيير المجتمعي التي تقودها النساء أو تشارك فيها تدوم لفترة أطول، في حين أن الحلول التي تعتمد فقط على إنفاذ القانون تنهار. فالنساء يجلبن المثابرة والحساسية والرؤية الشمولية. لذلك، من دون الصوت النسائي تبقى العنف مشكلة رجال، وتبقى الحلول سطحية، ويبقى الألم الحقيقي مُسكَتًا، بينما مع الصوت النسائي يكتسب العنف اسمًا ووجهًا وسياقًا، ويتحوّل النضال من احتجاج إلى عملية تغيير.

إلى جانب روزا باركس ومن سبقنها ممن حاولن بدء النضال ولم ينلن الاعتراف، وإلى جانب تصريح هيام الطارق حول التفسير الخاطئ لعبارة “لا يوجد مصابون”، هناك نساء قائدات أخريات مثل ليما غبوي من ليبيريا، التي قادت حركة نسائية جمعت نساءً مسيحيات ومسلمات معًا ضد الحرب الأهلية، حيث ارتدت النساء الأبيض، وأعلنّ إضرابًا جنسيًا، ومارسن ضغطًا مدنيًا لا عنيفًا. أسهمت مساهمتهن في إنهاء الحرب وانتخاب أول رئيسة في إفريقيا. وقد نالت ليما غبوي جائزة نوبل للسلام، حين قاد خطابها الذي قدّم “الحياة والأمن” على القوة والسلاح إلى تغيير الواقع.ومثال آخر هو أمهات ساحة مايو في الأرجنتين، حين خرجت الأمهات إلى الشوارع مطالبات بمعرفة مصير أبنائهن الذين اختفوا في زمن الديكتاتورية. لقد خلقت الاحتجاجات النسائية–الأمومية ضغطًا دوليًا وأدت إلى كشف جرائم النظام، وكان مضمون الرسالة أن الأمهات حوّلن الألم الخاص إلى قوة أخلاقية عامة.ومثال إضافي هو ملالا يوسفزاي من باكستان، الفتاة التي أصرت على الحديث عن حق الفتيات في التعليم. فقد نجت ملالا من محاولة اغتيال، وأصبحت صوتًا عالميًا، وغيّرت الخطاب الدولي حول التعليم والنوع الاجتماعي والتطرف، مؤكدة أن الصوت النسائي الشاب قادر على زعزعة بُنى القوة العنيفة.ومثال آخر توكل كرمان من اليمن، الصحفية وناشطة السلام التي قادت احتجاجًا لا عنيفًا ودمجت النضال ضد القمع السياسي مع حقوق النساء، وقد نالت هي أيضًا جائزة نوبل للسلام.

وفي السياق العربي–الإسرائيلي أيضًا، كانت هناك حركة “نساء يصنعن السلام”، وهي حركة نسائية يهودية–عربية شددت على خطاب الأمن الإنساني، والأمومة، والحياة، والمستقبل، ونجحت في إدخال الخطاب النسائي إلى مركز النقاش العام والسياسي، وكانت أهميته نموذجًا للشراكة النسائية حتى في مجتمعات تعاني من عنف مستمر. كما شهد المجتمع العربي في إسرائيل نضالات نسائية محلية لم يكن لها دائمًا اسم رسمي، حين قادت نساء عربيات احتجاجات بعد جرائم قتل في بلداتهن، وتحدثت نساء عربيات عن العنف الأسري حين صمت الآخرون، وتوجّهت نساء إلى الإعلام والمحكمة العليا والسلطات. إن مجرد حديث النساء كسر أعراف الصمت، وأجبر السلطات على الرد، وغيّر الخطاب المجتمعي. لم يكن التغيير دائمًا عنوانًا رئيسيًا، بل كان تغييرًا عميقًا في شرعية الكلام. في العالم وفي إسرائيل، لم تتحدث النساء باسم القوة، بل باسم: الحياة، والأطفال، والمستقبل، والمجتمع. لقد جمعن بين العاطفة والأخلاق والعمل، فغيّرن الخطاب وبالتالي غيّرن الواقع.

لهذه الأسباب، وبسبب التغييرات التي قادتها النساء أو أسهمن فيها عمومًا، ولا سيما في العالم الإسلامي، وبسبب أهمية الصوت النسائي في المجتمع اليهودي العلماني الليبرالي نسبيًا، من المهم أن يُسمَع الصوت النسائي في الاحتجاج ضد العنف في المجتمع العربي، الذي—even عندما لا يؤدي إلى إصابات جسدية—يسبب أضرارًا نفسية هائلة وصدمات مدى الحياة.

إن المجتمع العربي في إسرائيل يستفيق ويحتج على التفريط بالأمن الشخصي. يوم السبت ستقام مظاهرة ضد هذا العنف وضد تقاعس الشرطة عن مكافحته، ومن المهم أن يُسمَع في هذه المظاهرة الصوت النسائي!!!

لقد دفع فعل روزا باركس مارتن لوثر كينغ إلى قيادة نضال انتهى بتحرير السود في أمريكا.

المرأة العربية امرأة متعلّمة، متزنة، هادئة، قادرة على إدارة النضالات بالعاطفة لا بالعنف. وهي القادرة على تحقيق نتائج تُرضي العرب واليهود وجميع شعوب إسرائيل.

كانت روزا باركس ناشطة في الحركة الأمريكية للحقوق المدنية في مونتغمري، عاصمة ألاباما. في عام 1955 رفضت إخلاء مقعدها في الحافلة لرجل أبيض. أدى هذا الرفض إلى اعتقالها ومحاكمتها، لكنه في المقابل دفع مارتن لوثر كينغ إلى قيادة مقاطعة حافلات مونتغمري، وانتهى الأمر بقرار المحكمة العليا الأمريكية بأن قوانين الفصل العنصري تتعارض مع الدستور الأمريكي، وبناءً عليه أُلغي أيضًا القانون المحلي الذي فرض الفصل بين الأعراق في المواصلات العامة.

قبل قرار المحكمة، حوكمت روزا باركس وأُدينت بخرق النظام العام وعدم الامتثال للقانون المحلي، وفُرضت عليها غرامة. في ذلك الوقت، كان قانون مونتغمري ينص على فصل السود عن البيض في الحافلات، وإلزام الركاب باتباع تعليمات السائق، حيث كان من المتعارف عليه جلوس البيض في مقدمة الحافلة. ورغم أن باركس جلست في الجزء الخلفي، إلا أنه كان معتادًا أنه عندما تمتلئ المقاعد الأمامية، يطلب السائق من السود إخلاء مقاعدهم للبيض. لم تكن روزا باركس الأولى التي أُدينت بهذه المخالفة؛ فقبل عشر سنوات أُدينت إيرين مورغان بالمخالفة نفسها، وأدى استئنافها إلى حظر الفصل العنصري في المواصلات بين الولايات. إلا أن قضية مورغان، بخلاف قضية باركس، لم تمثل عصيانًا مدنيًا لا عنيفًا، ولم تكن مورغان مرتبطة بحركة تحرير السود، ولذلك لم تشعل قضيتها ردود الفعل التي أثارها اعتقال روزا باركس.

بعد اعتقال روزا باركس، قاد مارتن لوثر كينغ مقاطعة حافلات مونتغمري، كما قُدّمت عريضة باسم أربعة مواطنين أمريكيين من أصل إفريقي ضد سياسة الفصل العنصري. قبلت محكمة مقاطعة ألاباما العريضة، ووصل الاستئناف إلى المحكمة العليا الأمريكية. في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1956 قرر قضاة المحكمة العليا أن الفصل العنصري في الحافلات يتعارض مع الدستور الأمريكي. وبناءً على المصادقة، ألغت شركة الحافلات العامة سياسة الفصل العنصري، وتوقفت مقاطعة مارتن لوثر كينغ. وهكذا أصبحت باركس رمزًا لحركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن العشرين.

روزا باركس مثال ورمز لنضال نسائي أدى إلى تغيير السياسات. في إسرائيل هناك حاجة إلى تغيير مماثل للقضاء على الجريمة في البلدات العربية، ومن يمكنها إشعال مثل هذا الاحتجاج هي إيمان طارق من طمرة، التي سمعت عن شعور بالارتياح بعد حادث إطلاق نار في طمرة بحجة “عدم وجود مصابين”، وتساءلت عن تعريف المصابين، مشيرة إلى أن الناس تضرروا نفسيًا عندما فزعوا من الحدث.

إن الصوت النسائي في الاحتجاج ضد العنف والجريمة في المجتمع العربي في إسرائيل لن يكون مجرد إضافة، بل عنصرًا حاسمًا للأسباب التالية: النساء يعشن العنف بشكل مختلف وأحيانًا مضاعف، إذ لا يتضررن فقط من الجريمة في الشارع، بل أيضًا من العنف الأسري، والتهديدات، والابتزاز، ووجود السلاح غير القانوني في البيت. الصوت النسائي يكشف العنف غير المرئي. كما أن النساء يطرحن خطاب الحياة لا خطاب الشرف والقوة؛ ففي الاحتجاجات التي يقودها الرجال فقط يميل الخطاب أحيانًا إلى الشرف والانتقام والقوة والتركيز فقط على مسؤولية الدولة، بينما تميل النساء إلى التشديد على حماية الأطفال، والأمن اليومي، والمسؤولية المجتمعية، وعدم الاكتفاء بالبقاء، بل التفكير في المستقبل، وهذا يغيّر طبيعة النضال.إضافة إلى ذلك، تربط النساء بين الحيز الخاص والحيز العام، لأن العنف لا يبدأ في الشارع بل في البيت، وفي التربية، وفي الأعراف. وبصفتهن أمهات ومعلمات ومعالِجات وناشطات مجتمعيات، ترى النساء سلسلة العنف من جذورها، ويتحدثن عن التربية والوقاية والشفاء، لا عن إنفاذ القانون فقط. كما أن الاحتجاج الذي تقوده النساء يحظى بشرعية جماهيرية أوسع، إذ يُنظر إليه على أنه أقل صراعًا سياسيًا أو ذكوريًا عنيفًا، ويحظى بتعاطف أكبر لدى الجمهورين اليهودي والعربي معًا، ويكسر الصور النمطية عن المجتمع العربي، وهو أمر حاسم في نضال يحتاج إلى دعم واسع.

ومن الأسباب الإضافية أن النساء يدفعن ثمن الصمت بشكل خاص؛ ففي مجتمع أبوي، النساء اللواتي يتكلمن يتعرضن لخطر النبذ، واللواتي لا يتكلمن يدفعن ثمن العنف المستمر. إن مجرد الكلام النسائي فعل شجاع وكسر للأعراف التي تسمح بازدهار الجريمة. كذلك، لا يحدث تغيير عميق من دون النساء، إذ أظهرت الدراسات والخبرة العالمية أن عمليات التغيير المجتمعي التي تشارك فيها النساء تدوم أطول، بينما الحلول المعتمدة فقط على إنفاذ القانون تنهار. وهكذا تجلب النساء المثابرة والحساسية والرؤية الشمولية. لذلك، من دون الصوت النسائي تبقى العنف مشكلة رجال، وتبقى الحلول سطحية، ويظل الألم الحقيقي مُسكَتًا، أما مع الصوت النسائي فيكتسب العنف اسمًا ووجهًا وسياقًا، ويتحول النضال من احتجاج إلى عملية تغيير.

لهذه الأسباب كلها، من الضروري أن يُسمَع الصوت النسائي في الاحتجاج ضد العنف في المجتمع العربي في إسرائيل.



bottom of page