الفجوة الهائلة بين تمثيل المجتمع العربي في السياسة القطرية والمحلية وبين الإنجازات الفعلية لممثلي الجمهور العرب
- جيهان حييدر حسن

- قبل يومين
- 4 دقيقة قراءة
بقلم: جيهان حيدر حسن يعاني المجتمع العربي في إسرائيل من مشكلات عديدة، من بينها الفقر، العنف، وأزمة السكن. في ضوء حقيقة وجود عشرة أعضاء كنيست من أحزاب تمثل العرب في الكنيست، أي ما يقارب أقل من 10%، إضافة إلى تمثيل محترم للمجتمع العربي في المجالس المحلية في كل مدينة عربية ومختلطة، كان من المتوقع أن يكون للعرب عنوان واضح لمعالجة هذه المشكلات، وأن يحقق ممثلوهم على الأقل اتجاهًا لتحسّن في هذه القضايا. ولا سيما أن العرب، رغم كونهم يشكلون 21% من مواطني إسرائيل، فإن تمثيلهم في الكنيست أقل من 10%، بينما تشهد الانتخابات المحلية مشاركة عربية واسعة وتمثيلًا محترمًا للعرب سواء في المجالس المحلية أو في ائتلافاتها. ناهيك عن المدن العربية التي يكون فيها جميع الممثلين تقريبًا من العرب، وكان يفترض أن يعالجوا هذه القضايا، خاصة أن مشكلات الفقر في الأطراف أشد منها في المركز.
كما ذُكر، لم ينجح أعضاء الكنيست العرب وأعضاء المجالس المحلية العرب في ترجمة وزنهم السياسي إلى نتائج ملموسة في قضايا العنف والسكن والفقر في المجتمع العربي. ففي موضوع العنف، ورغم الاحتجاجات الكثيرة ضد تقاعس الدولة عن معالجة مشكلات العنف وترك الجمهور فريسة للمجرمين، فإن الجريمة المنظمة في المجتمع العربي بلغت مستويات غير مسبوقة. وبما أن الشرطة لا تعالج الجريمة المنظمة، فقد فشل ممثلو الجمهور العرب في ممارسة الضغط على وزارة الأمن القومي وعلى الشرطة، واكتفوا بإلقاء المسؤولية على لامبالاة وتجاهل مؤسسات الدولة اليهودية، وتبرؤوا من أي مسؤولية أو بحث جدي عن حلول.
كذلك، تعيش غالبية العائلات العربية تحت خط الفقر. وللحصول على ميزانيات يمكن عقد صفقات سياسية حتى من موقع المعارضة، لذلك فإن الادعاء بأن الدولة اليهودية تقصي العرب كشركاء في الائتلاف ليس مبررًا لعدم نضال أعضاء الكنيست العرب من أجل برنامج اقتصادي للتمييز الإيجابي في توزيع الميزانيات لتحسين الوضع الاقتصادي للمجتمع العربي. ويتجلى ذلك في البلدات العربية أيضًا في ضعف البنية التحتية ووسائل النقل العام التي لا تلبي احتياجات السكان. كما لم يعمل أعضاء الكنيست العرب ورؤساء السلطات المحلية العرب على إقامة مناطق صناعية كبيرة في البلدات العربية، الأمر الذي كان من شأنه خفض البطالة بشكل ملحوظ وتوفير فرص عمل، خاصة للشباب.
أما في مجال السكن، فالوضع سيئ للغاية، إذ لا تمنح الدولة تراخيص بناء للعرب وتهدم البيوت التي بُنيت دون ترخيص. ولتجنب الاستثمار في بيوت قد تُهدم، تضطر العائلات الشابة إلى توسيع بيوت الأهل، وهكذا تصبح القرى العربية كلها متصلة ببيت واحد لعدم وجود تراخيص لبناء بيوت إضافية. وإلى جانب الاكتظاظ السكني، تنشأ مشكلات في مواقف السيارات، إذ تحتاج العديد من الشقق و/أو أماكن العمل إلى أماكن لوقوف السيارات قرب البيت ذاته، فيضطر الناس إما إلى الاكتظاظ في الموقف أو إلى ركن سياراتهم بعيدًا والسير على الأقدام إلى البيت أو مكان العمل. وهذه إحدى أكثر المشكلات إيلامًا في المجتمع العربي، وكان من المتوقع ألا يكتفي أعضاء الكنيست العرب بالمشاركة في مظاهرات ضد هدم البيوت، بل أن يستخدموا قوتهم ووزنهم لمنع الهدم، سواء عبر منح تراخيص بناء بأثر رجعي أو الحصول على تراخيص من الأساس. في الواقع، لم ينجح أعضاء الكنيست العرب في وقف عمليات الهدم، وإلى جانب الاكتظاظ، تبقى عائلات كاملة بلا مأوى. ويخلق هذا الوضع أزمة ثقة بين المواطن الذي يرى بيته يُهدم وبين ممثله في البرلمان الذي يكتفي بالإدانات وحتى بالمشاركة في مظاهرة ضد الهدم.
على الصعيدين السياسي والدولي، ولا سيما فيما يتعلق بالحروب، تبرز بشكل خاص المفارقة بين دور أعضاء الكنيست العرب كفلسطينيين وبين دورهم كأعضاء في برلمان الدولة التي تدير تلك الحروب. تأثير أعضاء الكنيست العرب على قرارات الحرب محدود، إذ تُتخذ هذه القرارات من قبل الكابنيت الحكومي، والعرب دائمًا في المعارضة وليسوا جزءًا من الحكومة أو الكابنيت الأمني. لذلك تُنظر إلى معارضة أعضاء الكنيست العرب للحروب على أنها “رمزية” فقط، دون أي وزن قانوني يمكن أن يوقف الحروب. كما يُتهمون من قبل اليهود بإهمال مشكلاتهم الداخلية المذكورة أعلاه والانشغال بإدارة نضال إخوتهم عبر الحدود، ويُستخدم ذلك كمبرر للتمييز ضدهم، باعتبارهم “طابورًا خامسًا” يدعم العدو. ومن جهة أخرى، يُستخدم هذا الاتهام لتبرير إقصاء أعضاء الكنيست العرب من دوائر صنع القرار، بزعم أنهم بدلًا من الاهتمام بناخبيهم من عرب إسرائيل، يفضلون الاهتمام بالعرب غير المواطنين في الضفة الغربية وغزة، وبالتالي لن يمثلوا في الحكومة مصالح مواطني إسرائيل بل مصالح أعدائها في السلطة وغزة.
في أعقاب رفع نسبة الحسم، الذي ربما كان هدفه منذ البداية إضعاف القوة السياسية للعرب أكثر فأكثر، على أمل ألا يكون لهم أي تمثيل في الكنيست، توحدت الأحزاب العربية الأربعة في قائمة مشتركة واحدة. وفي أول مرة خاضوا الانتخابات بقائمة مشتركة، حققوا قوة سياسية أكبر، إذ ارتفع تمثيلهم من مجموع 11 مقعدًا إلى 13 مقعدًا للقائمة المشتركة. وفي ذروة الأزمة السياسية، خلال ثلاث جولات انتخابات متتالية، حققت القائمة المشتركة في إحدى الجولات 16 مقعدًا، وهو رقم قياسي غير مسبوق للمجتمع العربي. لكن لاحقًا توصل منصور عباس إلى قناعة مفادها أنه من أجل تحقيق إنجازات في القضايا المدنية مثل الفقر والعنف وهدم البيوت، ينبغي التخلي كليًا عن النضال من أجل الإخوة وضد الحروب، وعرض الأصوات على اليمين واليسار مقابل تخصيص ميزانيات لمعالجة قضايا المجتمع، على غرار ما فعله الحريديم في نهاية القرن الماضي. كان هذا الموقف مخالفًا لرأي بقية الأحزاب، وأدى إلى انقسام جديد خفّض مجموع المقاعد للقائمتين إلى 10 مقاعد. وبعد دورة واحدة كان فيها منصور عباس جزءًا من الائتلاف، وشهدت بالفعل تحسنًا في معالجة قضية العنف، بينما بقيت بقية القوائم في المعارضة، ضم هذا الائتلاف أحزابًا من مختلف أطياف الخريطة السياسية، من اليمين مثل “يمينا” و“أمل جديد”، ومن اليسار مثل “العمل” و“ميرتس”. وأدى تعاون أحزاب اليسار مع أحزاب يمينية ترفض من الأساس حل الدولتين إلى جانب دولة إسرائيل، إلى أن ترى حركة بلد أن حتى الدعم التقني لليسار ضد اليمين ليس طريقها، وأنها غير مستعدة للتعاون مع أي حزب صهيوني يدعم دولة يهودية. وهذا على خلاف موقف الجبهة والتجمع ، اللذين يريان أن اليسار هو الشر الأقل، وأن رئيس الحكومة نتنياهو هو الأسوأ الذي يمكن أن يواجهه المجتمع العربي، ما أدى إلى انقسام إضافي. وهكذا، ورغم بقاء نسبة الحسم مرتفعة، خاض العرب الانتخابات مجددًا بثلاث قوائم، لم تجتز إحداها نسبة الحسم. ورغم أن عدد أعضاء الكنيست بقي 10، فإن أصوات تعادل ثلاثة مقاعد ضاعت لأنها لم تتجاوز نسبة الحسم. ويتكرر هذا السيناريو في كل استطلاع، حيث تحصل القائمتان الممثلتان في الكنيست على خمسة مقاعد لكل منهما، بينما لا تجتاز بلد نسبة الحسم، وتضيع أصوات تعادل مقعدين.
وهكذا جاء انقسام الأحزاب العربية: القائمة العربية الموحدة ، الجبهة ، الحركة العربية للتغيير والتجمع، وهو انقسام يعكس صراعًا بين تيارات مثل الموحدة بقيادة منصور عباس، التي تدعو إلى التأثير من داخل الائتلاف، وبين تيارات تدعو إلى القومية الفلسطينية ومقاطعة المؤسسة الصهيونية. وقد أدى هذا الانقسام إلى تفكيك قوة التصويت وتحويل التعامل مع القضايا العالمية إلى تعامل تفتقر فيه الأحزاب العربية إلى استراتيجية مشتركة. كما يصعّب ذلك بلورة استراتيجية موحدة في المجال المدني تضمن توظيف جميع المقاعد العشرة لصالح المجتمع العربي.

ملاحظة: المواد المنشورة في زاوية المقالات تعبر عن رأي الكاتبة/ة ولا تعبر، بالضرور، عن رأي أو موقف الموقع أو الحزب.
.png)

