top of page

دولة كلّ مواطنيها: بين الواقع والخيال

بقلم: أمين زاهر


عن طريق الصدفة اطّلعتُ على حزب جديد لم أكن أعرفه من قبل، وقد جرى باورِه قبل نحو ثلاث سنوات.اسم الحزب هو «كلّ مواطنيها»، وهو اسم يحمل في طيّاته، برأيي، رسالة قويّة وواضحة للشعبين العربي واليهودي. أعادني هذا الاسم بذاكرتي إلى فترة عملي مساعدًا لوزير البناء والإسكان عام 1996، وإلى التماس عائلة قعدان إلى محكمة العدل العليا (باغتس) رقم 6698/95 عام 1995 ضد دائرة أراضي إسرائيل، ووزارة البناء والإسكان، والمجلس المحلي تل-عيرون، والوكالة اليهودية. قُدّم الالتماس لأن دائرة أراضي إسرائيل والوكالة اليهودية رفضتا بيع أرض لعائلة قعدان للبناء في البلدة التعاونية كتسير، بحجة أن الوكالة اليهودية «تعمل على توطين اليهود في دولة إسرائيل»، وأن الجمعية التعاونية من جهتها تقبل في صفوفها، عمليًا، اليهود فقط كأعضاء. والنتيجة هي أنه في هذا الوضع لا يستطيع العربي أن يبني بيته على أرض الدولة المخصّصة للوكالة. (اقتباس من قرار المحكمة).

استمرت المداولات في محكمة العدل العليا خمس سنوات إلى أن صدر الحكم في 8/3/2000. وقد هزّ هذا الحكم حكومة إسرائيل لأنه قرّر أن «الدولة غير مخوّلة بالتمييز مباشرة على أساس الدين أو القومية في تخصيص أراضي الدولة… كما أن الدولة غير مخوّلة بالسماح بمثل هذا التمييز في أراضي الدولة». وأعلن القضاة: «نصرّح بأن الدولة لم تكن مخوّلة قانونًا بتخصيص أراضي الدولة للوكالة اليهودية لغرض إقامة البلدة التعاونية كتسير على أساس التمييز بين اليهود وغير اليهود».

عمليًا شدّدت المحكمة في إعلانها على أن الدولة «هي دولة كلّ مواطنيها، وليس لها الحق في التمييز بين المواطنين على خلفية دينية أو طائفية أو قومية، وعليها أن تتصرّف بالمساواة، ولا سيّما في موضوع الأراضي». وبذلك ألزمت المحكمة دائرة أراضي إسرائيل – أي الدولة – ببيع أراضي الدولة للعرب كما تبيعها لليهود.

في عام 2003 عُيّن بنيامين نتنياهو وزيرًا للمالية في حكومة أريئيل شارون. وفي مؤتمر هرتسليا بتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2003 صرّح نتنياهو بأن «إسرائيل لا تواجه مشكلة ديموغرافية مع الفلسطينيين الخاضعين لسيطرة فلسطينية، والذين سيتمتعون مستقبلًا بـ(تقرير المصير)، وإنما المشكلة هي مع عرب إسرائيل. فإذا وصلوا إلى 40% انتهت الدولة». أي أن نتنياهو يقول إن التوسّع الديموغرافي العربي يشكّل تهديدًا لوجود دولة إسرائيل وأمنها.

في فترات شارون وأولمرت وتسيبي ليفني كان نتنياهو على الهامش، بل انسحب من الحياة السياسية، وكان تأثيره على السياسات ضئيلًا. لكنه عاد وانتُخب رئيسًا للحكومة عام 2009. وفي عام 2012 بدأ التفكير بأدوات ووسائل لوقف «التوسّع الديموغرافي العربي الذي يحرِم نتنياهو النوم». جرت عدة محاولات لسنّ «قانون أساس: القومية» إلى أن نجحوا عام 2018 في إقراره. هذا القانون، ضمنيًا أو صراحة، يمنع بيع أراضي الدولة للعرب (حق الاستيطان في أرض إسرائيل لليهود)، ويعيق تطوير التخطيط والبناء في المجتمع العربي، ولإضافة جريمة إلى جريمة سُنّ «قانون كامينيتس» لوقف التوسّع الديموغرافي العربي. ومؤخرًا، ولتجريد العرب من ما تبقّى من أراضيهم الخاصة، أُقرّ في القراءة الأولى (وقد كُتب المقال قبل القراءتين الثانية والثالثة) بند في قانون الميزانية يفرض ضريبة أملاك بنسبة 1.5% على الأراضي الفارغة القابلة للبناء. ومن يملك غالبية الأراضي الخاصة في الدولة؟ نعم، العرب.

إن «كلّ مواطنيها» ليست مجرد شعار انتخابي، بل هي حلم كل مواطن عربي في دولة إسرائيل، وهي أيضًا حلم الشعب اليهودي الديمقراطي الحرّ والمتنوّر. ومن واقع خبرتي أقول اليوم إنه لا توجد في إسرائيل أحزاب يهودية ولا عربية تخاطب الناخب بصدق. ما داموا يتوجّهون إلينا كعرب وإلى غيرنا كيهود، فهم يخطئون ويضلّلون. ففي دولة القانون لا تُسنّ قوانين للعرب وقوانين لليهود؛ القانون يسري على جميع مواطني الدولة دون تمييز في الدين أو الجنس أو العِرق. عند سنّ القوانين في الكنيست يُفترض أن يُنظر إلينا كمواطنين متساوين «في دولة كلّ مواطنيها»، لكن التنفيذ مختلف، وعلى خلفية عنصرية.

إن رسالة الحزب العربي-اليهودي «كلّ مواطنيها» هي السعي إلى تحقيق مساواة كاملة في الحقوق لجميع مواطني الدولة، لأن الدولة هي دولة كلّ مواطنيها جميعًا.

فكرة دولة «كلّ مواطنيها» تتعارض مبدئيًا مع الفكرة الصهيونية لدولة يهودية، ولذلك لا تدفع الأحزاب اليهودية بهذا التصوّر الذي يُنظر إليه في نظرها كمتناقض مع رؤية هرتسل. وقد عبّر عن ذلك أشخاص من اليمين المتطرف؛ إذ ادّعى ميخائيل كلاينر، الذي كان آنذاك رئيس حزب هامشي بمقعد واحد («حيروت») وهو اليوم محامي حزب الليكود، أن قرار المحكمة العليا في قضية قعدان يمحو الدولة اليهودية ويحوّلها إلى دولة كلّ مواطنيها. وقد فُهم ذلك لدى اليهود كتخلٍّ كامل عن الأفكار التي أقيمت الدولة عليها. لذلك عمل وزير الداخلية الأسبق إيلي يشاي من حزب شاس على تغيير القرار عبر تشريعٍ التفافي.

والبند الوحيد في «قانون القومية» الذي يسمح بالتمييز ليس على المستوى التصريحي فحسب، بل عمليًا أيضًا، هو البند الذي يتيح إقامة بلدات تعاونية لمجتمع معيّن فقط. وبذلك يشكّل قانون القومية أساسًا يُلغي بندٌ مركزيّ فيه القاعدة القانونية التي استندت إليها أحكام المحكمة العليا في قضية قعدان، وربما يكون هذا هو البند الوحيد الذي يتيح الادعاء بأن القانون عنصري، لأن الصياغات الأخرى ملتبسة وغير حاسمة. ومع ذلك، فإن هذا البند تحديدًا هو الذي أثار أيضًا غضب العرب الدروز الذين يعانون هم كذلك من التمييز في تخصيص الأراضي، وأتاح لأول مرة احتجاجًا مشتركًا بين عرب ويهود يدعمون النضال العربي إلى جانب دروز يخدمون في الجيش، ضد قانون أساس سُنّ بدعم الحكومة وغالبية المعارضة معًا. وهو قانون يحظى، ظاهريًا، بإجماع اليسار الصهيوني واليمين المتطرف.

كما يهدف قانون القومية إلى تبديد خوف اليهود من فكرة «كلّ مواطنيها»، لأن الأهم لدى اليهود الصهاينة هو «قانون العودة» الذي يفضّل استيعاب اليهود ومنحهم المواطنة تلقائيًا. وفي نظر اليمين يشكّل مفهوم دولة كلّ مواطنيها هدمًا كاملًا للمشروع الصهيوني الذي قامت الدولة على أساسه. لذلك كان مهمًا لليمين الذي هو إلى يمين نتنياهو سنّ قانون القومية لمنع قيام دولة كلّ مواطنيها، التي تُرى تهديدًا لدى اليمين خصوصًا ولدى الأحزاب الصهيونية عمومًا. ومن هنا أيضًا يُنظر إلى بعض الأحزاب العربية التي تنص صراحة على تحويل دولة إسرائيل إلى دولة كلّ مواطنيها كتهديد، فيما فشلت أحزاب أخرى حيث سننجح نحن.

إلغاء مكانة العربية كلغة رسمية في الدولة. فاللغة العربية لغة دولية، وهي اللغة الرئيسة في الشرق الأوسط، وأنا أقول إن على حكومة إسرائيل، إذا أرادت دفع «اتفاقيات أبراهام»، أن تتعلّم العربية. فاللغة العربية هي لغة السلام، ولغة المصالحة، ولغة المحبة.

لذلك، ما تقترحه حركة «كلّ مواطنيها» ليس مجرد شعار، بل مساواة مدنية، ومصالحة وطنية، وسلام داخلي في إسرائيل، وسلام في المنطقة.

حزب «كلّ مواطنيها»، كما يدل اسمه، يضمّ في داخله جميع مواطني دولة إسرائيل دون تمييز في الدين أو الجنس أو العِرق، ويعد بالمساواة الكاملة بين جميع أعضائه.

وبناءً على ما تقدّم، نتوجّه إلى الجمهور العربي واليهودي في الدولة لدعم واعتماد أفكار وأهداف «كلّ مواطنيها»، لكي نحقق معًا الأهداف التي وضعناها نصب أعيننا.



bottom of page