top of page

من يستفيد من خفض سنّ التصويت – وما هو ثمن الديمقراطية؟

بقلم: جيهان حيدر حسن

في الآونة الأخيرة طُرحت فكرة تتكرر من حين لآخر في العالم وفي إسرائيل أيضًا، وهي خفض سنّ التصويت من 18 إلى 17 عامًا. تمسّ هذه الفكرة أسئلة تتعلق بالديمقراطية والمواطنة والتعليم والسياسة العملية. وتهدف، من بين أمور أخرى، إلى توسيع المشاركة الديمقراطية عبر إتاحة المجال للشباب كي يكونوا شركاء في القرارات التي تؤثر في حياتهم، في قضايا مثل التعليم، وغلاء المعيشة، والأمن، والمناخ، والمواصلات العامة. وهي تنطلق من تصور مفاده أن المواطنة لا تبدأ في عيد الميلاد الثامن عشر، بل تتطور قبل ذلك. وقد يسهم هذا أيضًا في تعزيز التربية على المواطنة بسبب الصلة المباشرة، خاصة في إسرائيل، بين دراسة موضوع “المواطنة” في المرحلة الثانوية وبين الفعل السياسي. كما تقوم الفكرة على خلق عادة التصويت مبكرًا، انطلاقًا من افتراض أن من يصوّت في سن صغيرة سيواصل التصويت لاحقًا في حياته.

كذلك، يعمل إسرائيليون في سن 17، ويدفعون ضرائب غير مباشرة، ويقفون على أعتاب التجنيد للجيش الإسرائيلي أو الخدمة المدنية، ولذلك يرى بعضهم أنه إذا كانت الدولة تتوقع منهم تحمّل المسؤولية، فمن الواجب أن تمنحهم أيضًا حق التأثير. وكما ذُكر، فإن قضايا مثل المناخ، والتكنولوجيا، وحرية التعبير على الشبكات، والمساواة، تحظى بوزن كبير جدًا لدى الشباب، ما يشير إلى منطق معين في منحهم حق المشاركة في الانتخابات.

يمكن لآثار خفض سنّ التصويت أن تؤثر بدرجة كبيرة في النظام السياسي. عالميًا يميل أبناء 17 عامًا أقل إلى التصويت للأحزاب الحريدية وأكثر إلى الأحزاب التي تبرز حقوق الإنسان والتعليم والبيئة أو التغيير الاجتماعي، لكن في إسرائيل قد تختلف أنماط تصويت أبناء 17 عامًا من قطاع إلى آخر. ففي التيار الديني القومي والحريدي قد تكون تأثيرات الأسرة والحاخامات على نمط التصويت مرتفعة جدًا. وفي المجتمع العربي قد يؤدي خفض سنّ التصويت إلى تعزيز الشعور بالشراكة السياسية، لكنه من جهة أخرى قد يبقي معدلات التصويت منخفضة إذا تم ذلك دون تربية مدنية ذات معنى في القطاع العربي.

وسيؤثر خفض سنّ التصويت أيضًا على الحملات الانتخابية للأحزاب، التي ستُضطر إلى التوجه للمراهقين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإلى التركيز أكثر على القضايا التي تهم الشباب، وإلى تبسيط الرسائل، إيجابًا أو سلبًا. كما قد يؤثر خفض السن على العلاقة بين التعليم والسياسة، لأن المدارس قد تتحول إلى ساحة حساسة حول أسئلة مثل: من يربّي؟ هل يُسمح بإبداء موقف؟ كيف نمنع التأثير السياسي من قبل المعلمين؟ ولذلك ستلزم قواعد واضحة لحوار سياسي تربوي غير حزبي.

وقد طُبّق هذا المسار في دول أخرى. ففي النمسا خُفّض سنّ التصويت حتى إلى 16 عامًا، وفي حالات كثيرة صوّت الشباب من سن 16–17 بنسبة أعلى من الشباب الذين يصوتون لأول مرة في سن 18. ولا توجد أدلة على أنهم صوّتوا بصورة أكثر تطرفًا أو مختلفة بشكل دراماتيكي عن المتوسط، إذ كانت أنماط تصويتهم شبيهة بأنماط تصويت من هم بين 18–24. ويُنظر إلى خفض السن على أنه عامل يعزز المشاركة السياسية على المدى الطويل، أي إن من يصوّت في سن أصغر يميل إلى التصويت أيضًا في الرشد. ومع ذلك، في النمسا عزّز ذلك أحزاب اليمين المتطرف، ويمكن الافتراض أنه حتى لو كانت أنماط تصويت 16–17 شبيهة بأنماط 18–24، فإن مجرد زيادة عدد الناخبين الشباب من فئة 18–24 إلى فئة 16–24 رفعت أيضًا مخزون الناخبين المتاح لليمين المتطرف.

وفي كل من البرازيل والأرجنتين خُفّض سنّ التصويت إلى 16 عامًا، ولم يُسجَّل تأثير دراماتيكي على نسب التصويت العامة، لكن عدد الناخبين ازداد بسبب توسيع القاعدة. ولم تكن نسبة التصويت بين الشباب أقل من بقية السكان. أما في بريطانيا، فمن المتوقع أن يُطبق ذلك فقط قبيل الانتخابات القادمة، وقد أظهرت دراسات سابقة في مناطق مثل اسكتلندا وويلز أن هؤلاء الشباب يصوتون عادة أكثر من الناخبين الجدد بعمر 18 في أماكن أخرى، لكن لا توجد حجة قاطعة بأن التغيير سيبدّل نتائج الانتخابات بشكل ضار.

هناك جدل حول مدى صواب الخطوة، إذ توجد اعتبارات مؤيدة وأخرى معارضة. يرى المؤيدون أن عمر 17 يكفي من حيث القدرة المعرفية لتكوين موقف سياسي، وأن كثيرين في هذا السن يبلورون هوية قيمية. بالمقابل، يرى المعارضون أن أبناء 17 يعتمدون كثيرًا على الأهل وعلى النظام التعليمي، وهناك خشية من أن يصوتوا وفق مطالب الأسرة أو دون أي قدر من النقدية. وفي حال تطبيق التغيير بالفعل في الانتخابات القريبة في إسرائيل، فهناك خطر من استقطاب النظام التعليمي لأن الحملات قد تدخل المدارس مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وستظهر اتهامات بالتحريض والانحياز السياسي وتوظيف المعلمين والمرشدين التربويين سياسيًا، وتضرر الثقة بين الأهل والنظام والطلاب. وهي فئة شابة يُفترض أن تتعزز مواطنتها، لكنها قد تتضرر بدل ذلك.

وفي إسرائيل يوجد جدل إضافي لأن النقاش طُرح في سنة انتخابية، ولأن التغيير يُدفع به قبيل انتخابات مباشرة، ما يثير أسئلة حول شرعيته. إذ يُنظر إلى تغيير قوانين الانتخابات على مقربة من موعدها كخطوة أداتية تهدف للتأثير على النتيجة، لا كإصلاح مبدئي، وهو ما قد يمس بشرعية العملية الديمقراطية ويغذي ادعاءات “تفصيل القوانين” على المقاس. لذلك حتى لو كان جوهر الخطوة مستحقًا، فقد تقوض الثقة العامة. وفي الديمقراطيات الراسخة يُقبل عادة تطبيق مثل هذه التغييرات بدءًا من انتخابات مستقبلية لا بشكل فوري. كما تُثار شبهة الدافع السياسي الضيق: “من يستفيد؟”، إذ سينتقل النقاش فورًا إلى أسئلة من قبيل أي حزب أو أي معسكر سيربح أصوات أبناء 17. وفي إسرائيل حيث الاستقطاب قائم أصلًا، قد يعمّق ذلك الانقسام ويحوّل المراهقين إلى أداة في لعبة سياسية. وقد يؤدي ذلك إلى نزع الشرعية عن الأصوات الجديدة نفسها بزعم أنها لم تُمنح خيارًا مستقلًا بل جرى “تجنيدها”.

بشكل عام، يمكن لخفض سنّ التصويت إلى 17 أن يزيد شرعية الديمقراطية في نظر الشباب، وأن يدفع لتحسين تعليم المواطنة حتى لا يكون التصويت سطحيًا، وأن يعزز مجموعات شبابية. لكنه من جهة أخرى قد يحدّد الفوارق بين القطاعات. ليس خفض السن مجرد تغيير تقني، بل خطوة قيمية وتربوية عميقة. وفي إسرائيل، مع الشروخ الاجتماعية والسياسية القائمة، تعتمد تأثيرات الخطوة كثيرًا على المرافقة التربوية، والخطاب المسؤول، وعلى كيفية توجه النظام السياسي إلى الشباب. كما أن خفض السن في سنة انتخابية يحمل تبعات طويلة الأمد على الثقة العامة: فإذا فُهم كحيلة سياسية أو كمحاولة للتأثير على نتائج الانتخابات القريبة، فإن أي إصلاح ديمقراطي مستقبلي سيواجه شكوكًا، وقد تتآكل فكرة “الإصلاح الدستوري بتوافق واسع”.

ومع ذلك، فإن خفض السن في سنة الانتخابات نفسها قد يمس بمبدأ المساواة بين المتنافسين، لأن أحزابًا كانت قد استعدت للحملة لم تبنِ رسائل ولم تخصص موارد ولم تطور بنى للوصول إلى الناخبين الجدد؛ ومن ثم فإن تغييرًا متأخرًا كهذا يفيد أحزابًا مرنة وذات ميزانيات كبيرة، ويضر بأحزاب صغيرة أو جديدة. وهذا تغيير غير متناظر في شروط المنافسة. لذلك في كثير من الديمقراطيات يُفضَّل إجراء تغييرات انتخابية في أوقات عادية أو بتوافق واسع، وتجنب تغييرات جوهرية في سنة انتخابية، وخاصة قبل أشهر من يوم الاقتراع. وحتى إن كان خفض سنّ التصويت خطوة إيجابية، فإن تطبيقها قبل أشهر من الانتخابات في إسرائيل قد يسبب ضررًا ديمقراطيًا أكبر من فائدتها الفورية، وأبرز الضرر هو المساس بالثقة، ونزع الشرعية عن النتائج، وتعميق الإحساس بأن “اللعبة محسومة”.

كذلك توجد مشكلات تقنية وعملية تتعلق بالاستعداد المؤسسي، تشمل تحديث سجل الناخبين، والتثقيف والتوعية لأبناء 17، وتدريب طواقم لجان الاقتراع، وملاءمة أطر المدارس من حيث الامتحانات وأيام العطلة والتصويت. وعندما يجري ذلك تحت ضغط الوقت يرتفع خطر الأخطاء، وأي خلل قد يتحول إلى “دليل” على تزوير أو فوضى.

من زاوية المجتمع العربي، قد يُنظر إلى تغيير سنّ التصويت قبيل الانتخابات بعين الشك، ضمن سياق أوسع من انعدام ثقة بنيوي في النظام السياسي، إذ يشعر جزء كبير من الجمهور العربي منذ سنوات بالإقصاء عن تأثير حقيقي وباستخدام “انتقائي” للصوت العربي، لذلك تُفهم تغييرات التشريع أحيانًا على أنها تخدم مصالح يهودية داخلية. ومن ثمّ فإن تغيير “قواعد اللعبة” قبل الانتخابات قد يُفسَّر عربيًا كخطوة تُتخذ “عليهم” لا “معهم”، حتى لو كانت تقنيًا قد تفيدهم أيضًا. وقد تنشأ شبهة أنها مناورة سياسية: “لماذا الآن تحديدًا؟”. وقد يُنظر إليها كمحاولة لتوسيع مخزون أصوات يُعد ضعيفًا سياسيًا، أو لتجنيد شباب لم يطوّروا بعد نقدًا سياسيًا، أو لتعويض خسارة أصوات في قطاعات أخرى. في مثل هذا السيناريو قد يُرى المراهقون العرب كخزان أصوات مريح لا كشركاء مواطنين كاملين.

لخفض سنّ التصويت تأثير أيضًا على البنى المحلية والعائلية في المجتمع العربي، لأن المواقف السياسية تنتقل كثيرًا عبر العائلة والحمولة والقيادات المحلية ورؤساء السلطات. فإذا دعمت القيادة الخطوة قد تُسهم في تعبئة التصويت، وإذا عارضتها أو شكت فيها فقد تولّد لامبالاة أو مقاطعة صامتة أو امتناعًا عن التصويت. وقد تكون استجابة القيادة السياسية العربية، في سيناريو معقول، دعمًا مبدئيًا للفكرة مع المطالبة بتأجيل التطبيق للانتخابات التالية وبالتوافق الواسع وبمرافقة تربوية. وإذا فُهمت الخطوة على أنها مفروضة فقد تتبنى القيادة خطابًا نقديًا أو لا تستثمر في تعبئة الشباب.

وفي هذا السياق يوجد سيناريو خطِر لـ“نزع شرعية مزدوج”: فإذا جرت انتخابات مع تغيير قريب، ونتائج متقاربة، وتأثير ملموس لأصوات أبناء 17، قد يتشكل سرد عام يقول إن “الشباب العرب حسموا الانتخابات”، وهو سرد خطير جدًا على الأمن المدني وعلى العلاقات العربية-اليهودية وعلى مكانة المواطنة العربية.

وعند الشباب العرب أنفسهم، الموقف قد يكون ملتبسًا: فمن جهة توجد إمكانات تمكين، لأن كثيرًا من الشباب العرب واعون للتمييز، وناشطون على الشبكات، ومشاركون في احتجاجات مدنية حول العنف والسكن وعنف الشرطة، وقد يُفهم حق التصويت المبكر كاعتراف بصوتهم وفرصة للتأثير على مستقبلهم. ومن جهة أخرى قد توجد شكوك عميقة، لأن الحق دون تغيير جوهري في السياسات قد يُنظر إليه كرمزي فقط، أي “يسمحون لهم بالتصويت لكن لا يصغون حقًا”. كما توجد خشية من تسييس المدارس العربية التي تعاني رقابة أكبر وحساسية أعلى للنقاش السياسي؛ وبالتالي قد يضع إدخال حق التصويت لأبناء 17 المعلمين والمديرين تحت الشبهة، ويخلق خوفًا من اتهامات بالتحريض، وقد يضيّق النقاش المدني المفتوح بدل أن يوسّعه. لذلك قد يُفهم مثل هذا المسار، في توقيته، كمسار مشبوه: منح حق دون تغيير عميق، توظيف سياسي للشباب، ومخاطر تفاقم نزع الشرعية. أما في ظروف أخرى — تطبيق مستقبلي، وحوار متكافئ، وتربية مواطنة حقيقية — فقد يُفهم كفرصة لتمكين مدني.

في إسرائيل، يكفي أن تأتي الفكرة من الائتلاف وبقرب الانتخابات لتصبح مزاعم أنها محاولة لتعزيز الائتلاف “معقولة” في النقاش العام، حتى دون دليل تجريبي أو عقلاني. فمصدر المبادرة وتوقيتها يولّدان شبهة منطقية؛ وعندما تكون المبادرة من الائتلاف وفي سنة انتخابية وقبل أشهر من التصويت، تُدرج تلقائيًا ضمن تشريعات ذات قدرة محتملة على التأثير في النتيجة، حتى لو كانت النوايا المعلنة تربوية أو قيمية. والشك هنا ليس “تآمريًا” بل “معياريًا”. كما يُتوقع أن يغيّر التعديل ميزان القوى لأن أبناء 17 يُنظر إليهم كجمهور أقل محافظة، وأقل التصاقًا بالنخب القديمة، وأكثر انفتاحًا لرسائل التغيير. وإذا كانت الحكومة الحالية تشعر بتآكل في قاعدتها وصعوبة في تجنيد ناخبين جدد، فقد تُفهم زيادة مخزون الناخبين كخطوة دفاعية لمنع “انقلاب”. كذلك قد تُستخدم التشريعات كبديل عن حملة إقناع: فبدل تغيير السياسة أو إصلاح الإخفاقات أو إقناع الجمهور، قد يكون تغيير قواعد اللعبة أسهل، وهي حجة تبدو منطقية في هذا السياق.

وفي السياق الإسرائيلي، تُستدعى سوابق مثل رفع نسبة الحسم وتغيير قوانين الحكومة والتشريعات الشخصية كخبرات استُخدمت للترجيح، والجمهور “متدرّب” على الشك في خطوات مشابهة. وحتى مصطلح “الانقلاب السياسي” (המהפך) يُفهم كصدمة سياسية تاريخية، لذا يُفسَّر تغيير قواعد اللعبة كحماية من انقلاب كهذا.

وعند العرب، إضافة إلى أسئلة تصويت الشباب، فإن مسألة خوض الانتخابات بقائمة واحدة أو بعدة قوائم تؤثر بعمق ليس انتخابيًا فقط بل أيضًا وعيًا واجتماعًا وسياسة. وتتغير التأثيرات بحسب نسبة الحسم والتوقيت والقيادة، لكن توجد أنماط ثابتة. الأثر المركزي لخوض الانتخابات بقائمة مشتركة واحدة هو رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي، لأنها تبعث رسالة وحدة ومسؤولية وأن الصوت العربي لا يضيع، وتقلل مشاعر اليأس والمقاطعة. ويصبح هذا الأثر مهمًا خاصة عند وجود شعور بتهديد سياسي خارجي مثل التشريع أو التحريض أو الإقصاء. وهذا يعزز كذلك القوة السياسية والمكانة العامة، لأن القائمة المشتركة تزيد عدد المقاعد فعليًا، وتقوي شرعية القيادة العربية كممثل جماعي، وتمكن من تفاوض أكثر فاعلية وتأثير برلماني وأحيانًا تأثير غير مباشر على الائتلاف.

لكن للقائمة المشتركة ثمنًا داخليًا مهمًا، إذ قد تُطمس الفوارق الأيديولوجية في قضايا قومية ودينية ومدنية، ما يولّد إحباطًا لدى بعض الناخبين الشباب أو الأيديولوجيين الذين يشعرون بأن “لا خيار حقيقي لمن أصوّت له”، ويخلق توترات داخلية حول التمثيل والتناوب وترتيب القائمة. أما خوض الانتخابات بقائمتين فيحمل أثرًا مركّبًا: فهو يسمح بتمثيل أكثر تنوعًا وبالتعبير عن تيارات أيديولوجية مختلفة، وعن فروق بين الشمال والجنوب وبين الأجيال، وقد يعزز التماهي لدى مجموعات معينة. لكنه ينطوي أيضًا على خطر انتخابي: إذا اقتربت إحدى القائمتين من نسبة الحسم فهناك خطر كبير بفقدان الأصوات، كما أن المنافسة قد تُضعف الإقبال لأن الانقسام يبعث رسالة “لا قوة”. ولهذا التعدد رسالة مزدوجة: داخليًا قد يبدو صحيًا، وخارجيًا قد يُفسَّر كضعف سياسي وغياب مسؤولية وطنية.

أما خوض الانتخابات بثلاث قوائم فأكثر، كما في الانتخابات الأخيرة، فيحمل تبعات قاسية على نسبة التصويت لأنه يزيد الارتباك واللامبالاة والمقاطعة، ويعزز السردية القائلة: “هم منقسمون، فلماذا نصوّت؟”. وكما في الانتخابات الأخيرة حيث ضاعت أصوات تعادل ثلاثة مقاعد لبلد لأنها لم تتجاوز نسبة الحسم، فإن ذلك يعني خسارة مقاعد فعلية، مع خطر ملموس بألا تجتاز إحدى القوائم نسبة الحسم. ومنذ رفع نسبة الحسم لم تحدث حالة اجتازت فيها ثلاث قوائم عربية نسبة الحسم، وحتى قبل رفعها كان مجموع مقاعد الأحزاب العربية 10–11، بينما الحد الأدنى لاجتياز الحسم هو أربعة مقاعد؛ أي إن اجتياز ثلاث قوائم يتطلب على الأقل 12 مقعدًا. وحتى لو اجتازت جميع القوائم، فإن الانقسام يقلل قوة التفاوض ويخفض “الظهور” السياسي للتأثير. كما أن خوض الانتخابات بثلاث قوائم يضر بالوعي الجمعي لأنه يبث رسالة صراع أَنا/مصلحة، وانفصال عن الجمهور، وسياسة داخلية على حساب المصلحة المدنية.


bottom of page