"من فرعنك يا فرعون؟ قالهم ما لقيت حدا يردني" … الرادع الدولي الانتقائي
- וורדה סעדה

- قبل يومين
- 2 دقيقة قراءة
بقلم: وردة سعدة
هذا المثل الشعبي يختصر حقيقة بسيطة ومرعبة: من يملك القوة ولا يجد من يوقفه، يواصل أفعاله بلا حدود، ويترك وراءه دمارًا لا يقاس.
وعندما أفكر بالسياسة الأمريكية في الخارج، تتجسد هذه الحقيقة أمامي بلا رتوش. العراق بالنسبة لي ليس مجرد بلد على الخريطة، بل تجربة عشتها وتابعتها عن قرب، شعرت بصدمة ما حدث له، لكني أعرف أن العراق لم يكن البداية. فقبل العراق، تدخلت أمريكا في دول أخرى قسرًا، بحجة نشر الديمقراطية أو حماية الأمن، والنتائج كانت نفسها: الفوضى، انهيار المؤسسات، وتشظي المجتمع.
في سوريا وليبيا، رأيت كيف تتحول التدخلات إلى أداة لزعزعة الاستقرار بدل بناء الديمقراطية. الدول الغنية بالموارد الطبيعية كانت هدفًا دائمًا، وكأن وجود النفط يجعلها مشروعًا للتدخل بدل وطن مستقل. واليوم، فنزويلا تشهد نفس الضغوط والتدخلات، وكأن التاريخ يعيد نفسه بلا رادع.
يمكن فهم هذا النمط عبر مفاهيم التحول الاجتماعي: التغيير القسري يؤدي غالبًا إلى انهيار البنى واختلاط القيم وصعوبة بناء مؤسسات مستقرة. نظريات التبعية والعالمية تشير كذلك إلى أن الدول الضعيفة تبقى مرتبطة بالقوى الكبرى، تابعة لها، حتى لو ادعت هذه القوى نشر الحرية والديمقراطية.
هنا تكمن الرمزية: الفرعون الكبير، أمريكا، يفعل ما يريد بلا رادع دولي، والفرعون الأصغر، إسرائيل، يتبع نفس المنطق الإقليمي تجاه جيرانها، محددًا المصالح وموظفًا القوة لصالحه، تاركًا المجتمعات الأصغر تحت ضغط مستمر. المثل الشعبي الذي بدأنا به يظل حيًا: القوة بلا رادع تولد الاستبداد والفوضى.
لكن هناك مقارنة مهمة: روسيا والصين وإيران ليست دولًا ضعيفة، ومع ذلك، عندما تجاوزت حدود جيرانها أو اعتدت على دول أخرى، وجد المجتمع الدولي طريقه لفرض رادع فعّال عبر الحصار، العقوبات الاقتصادية، والمقاطعات السياسية. هذا يوضح أن الرادع موجود، لكنه انتقائي: يُفعّل مع بعض الدول، بينما يُغيب عند الفرعون الأكبر أو الأصغر، مهما كانت أفعالهما واسعة ومدمرة.
من هنا يبرز الدرس الأساسي: الرادع لا يكفي أن يكون داخليًا أو خارجيًا فقط، بل يجب أن يكون رباعيًا ومتساوي التطبيق:
خارجيًا من المجتمع الدولي، يمنع التدخلات بلا محاسبة.
داخليًا من المجتمع الداخلي لكل دولة، يمكن المواطنين والمؤسسات من التصدي للسياسات الاستبدادية.
موحدًا وغير انتقائي، لا فرق بين دولة كبيرة أو صغيرة، بين فرعون كبير أو أصغر.
مستدامًا، بحيث تصبح القوة مسؤولية وليست تهديدًا.
الظلم بلا رادع يزداد قوة، ويترك آثارًا طويلة الأمد على حياة الناس والمجتمعات والدول. العالم يحتاج إلى رادع حقيقي، شامل وعادل، ليوقف الظلم قبل أن يتحول إلى فوضى دائمة، سواء كان الفرعون كبيرًا أو أصغر.

.png)


