عن ما نراه - وعن ما تعلمنا عدم رؤيته
- وردة سعدة

- قبل 3 أيام
- 3 دقيقة قراءة
بقلم: د. وردة سعدة
هناك لحظات يكون فيها السؤال الأكثر إلحاحاً ليس ماذا يحدث من حولنا، بل ماذا يحدث داخلنا.
ليست الأحداث نفسها هي التي تزعزعنا، بل الفجوة المتزايدة بين ما يحدث في الفضاء الإنساني وكيف نستقبله، ونستوعبه، أو ندفنه.
الحالة الإنسانية التي نعيشها ليست مجرد حالة للآخرين. هي حالة نفسية، اجتماعية وأخلاقية لنا. تتعلق بكيفية تعلم البشر رؤية الأشياء - وتعلم عدم رؤيتها؛ الإحساس - وتعلم التوقف عن الإحساس؛ الكلام - وتعلم الصمت.
وصف علماء الاجتماع مثل بيتر برجر وتوماس لوكمان كيف أن الواقع الاجتماعي ليس معلومة طبيعية بل هو نتاج عملية مستمرة من التنشئة الاجتماعية. نحن نولد في عالم يوضح لنا ما هو مهم، وما هو ثانوي، وما يُعتبر طبيعياً وما لا يستحق الاهتمام. وهكذا يتشكل فضاء حيث يوجد الألم "المرئي"، وآلام أخرى - شفافة. ليس لأنها غير موجودة، ولكن لأنه لم يتم تأهيلنا للاعتراف بها كجزء من واقعنا.
بالتدريج، تتشكل فقاعات. ليست بالضرورة فقاعات جهل، ولكن فقاعات انتماء. داخل الفقاعة توجد لغة مشتركة، مخاوف مشتركة، ذاكرة مشتركة وإحساس بـ"نحن". خارجها — يوجد الآخرون. ليس دائماً أعداء، وليس دائماً مكروهين، ولكن غالباً ما يكونون غير مرئيين.
تعلمنا نظرية الهوية الاجتماعية أن التعاطف الإنساني لا يتم توزيعه بشكل متساوٍ؛ بل يميل إلى التركيز على مجموعة الداخل، ويتقلص كلما ابتعدنا عنها.
حذرت حنا أرندت من اللحظات التي يتوقف فيها الناس عن التفكير ليس لأنهم أشرار، ولكن لأن التفكير نفسه استُبدل بالطاعة، بالروتين، وبلغة خالية من المعنى الأخلاقي. هذا ليس شرّاً درامياً، بل شرّ يومي، هادئ، مؤدب. شرّ يحدث عندما يتوقف الإنسان عن سؤال نفسه عن معنى أفعاله — أو عدم أفعاله.
تنتج المجتمعات الحديثة، كما كتب سيجموند باومان، أبعاداً. بُعد جسدي، بُعد عاطفي، بُعد أخلاقي. عندما يصل إلينا الألم من خلال الشاشات، الأرقام، التقارير والمصطلحات التقنية، يفقد ملامحه وأسماءه. لا يُلغي البُعد المسؤولية — بل يضعفها فقط.
لتمكين هذا البُعد، يُشغل آليات من الانفصال الأخلاقي، كما وصفها ألبرت باندورا: تغيير اللغة، نقل المسؤولية إلى "النظام"، تطبيع الأذى وتقليل قيمة إنسانية الآخر. هذه ليست آليات لأشخاص استثنائيين — بل لمجتمعات كاملة تسعى للاستمرار في العمل دون مواجهة الثمن الإنساني لاختياراتها.
لكن لهذا الثمن بُعد داخلي أيضًا. كتب إريك فروم عن الهروب من الحرية — عن الرغبة الإنسانية في التنازل عن المسؤولية الأخلاقية مقابل الأمان، الانتماء واليقين. عندما نتوقف عن الرؤية، ربما نحمي أنفسنا من الألم — لكننا أيضًا نحد من مساحة إنسانيتنا.
السؤال الإنساني الأكثر عمقاً ليس ماذا يحدث "هناك"، بل ماذا يحدث لنا هنا. ماذا نسمح لأنفسنا بعدم معرفته، بعدم إحساسه، بعدم تذكره. ليس بدافع القسوة، بل بدافع التكيف.
وربما، في كل ذلك، لا تكون المسؤولية الإنسانية الأساسية هي أن نطالب أنفسنا بالشعور بكل شيء، بل أن نرفض التدريب على عدم الشعور بشيء. الحفاظ على الشق الصغير الذي يمكن للواقع أن يدخل من خلاله، حتى عندما يكون غير مريح، حتى عندما يزعزع الفقاعة التي تعلمنا العيش فيها.
من هنا تأتي المسؤولية للتغيير. إذا كان العمى الإنساني ناتجاً عن التنشئة، اللغة والهياكل المؤسسية — يجب أن يكون التغيير تعليمياً، سياسياً وبنيوياً. تعليم للتفكير النقدي والأخلاقي، فضاء عام يتيح التعقيد وحرية التعبير، سياسة قائمة على المسؤولية الإنسانية والمساواة في قيمة الإنسان، وإطار قانوني ملتزم بحقوق الإنسان على نحو عالمي — كل هذه ليست ترفاً، بل شروط لديمقراطية حية.
التغيير المطلوب لا يبدأ بتوافق كامل، بل بالاعتراف بقيمة الإنسان بصفته إنساناً.
وهذه دعوة للتعليم الذي يطور التفكير النقدي، وللسياسة التي تتحمل المسؤولية، وللنظام القانوني الملتزم بحقوق الإنسان العالمية. يسعى هذا التغيير إلى توسيع حدود "نحن" من خلال فهم أن الديمقراطية الحية تقاس بقدرتها على احتواء التعقيد والإنسانية.
وهنا أشير إلى القيم التي تقدمها حزب كل مواطنيه الذي يقترح رؤية مدنية، وتحتها تحالف مدني حيث السؤال المركزي هو كيف نختار العيش معاً، من خلال الاعتراف بأن العدالة، والمساواة، والسلام هي شروط متبادلة - والأساس لمجتمع عادل وقوي حقاً.
في روح قيم حزب كل مواطنيه، هذه دعوة لتوسيع حدود "نحن"، ليس على حساب الهوية، ولكن من خلال الاعتراف بأن المجتمع العادل يقاس بقدرته على رؤية كل إنسان كقيمة متساوية. إنها دعوة لمواطنة لا تعتاد على المعاناة، لسياسة لا تُدار فقط بواسطة الخوف، ولمجتمع يرفض أن يدرب نفسه على عدم الرؤية.
الحفاظ على الإنسانية ليس عاطفة — إنه موقف مدني، تربوي وسياسي.

.png)


