top of page

من يبكي على إخلاء غوش قطيف لا يندب العدالة ولا إصلاح المظالم، بل على فقدان الدلال

بقلم: أبراهام بورغ


عكيفا نوفيك هو أحد الصحفيين الذين أقدّرهم كثيرًا. يميني، فصيح، واسع المعرفة، صاحب رأي، جدلي بارع ومُصغي جدًا. لديه فقط نقطة عمياء واحدة: الانسحاب من غزة عام 2005. مثل كثير من أصدقائه، يعتقد بصدق أن التاريخ بدأ حينها، مع صدمة المستوطنين المُخلىّين. هو يرى نصف الحقيقة، وأعمى بعينه الأخرى، ولذلك لا يرى النصف الآخر. ومن أجله هذا هو السرد الأكثر اكتمالاً.


مرّت عشرون سنة منذ الانسحاب من غزة، وذاكرة الإخلاء تُستخدم من قبل جماعات في إسرائيل كرافعة لصدمة وطنية. إنهم يندبون اقتلاع بضعة آلاف من المستوطنين، وكأن أرض ميراث مقدسة قد انتُزعت منهم. وباسم ذلك الانسحاب والشعور بأن الدولة خانتهم وتخلّت عنهم، يفعلون كل ما بوسعهم لفعل الشيء وضده في الوقت نفسه: السيطرة على كل مركز قوة ممكن في الدولة، وفي الوقت نفسه تفكيكها. إنهم ينسون فقط المكونات الحقيقية لـ “الحساء الغزّي”. كانت تلك حكومتهم – شارون، نتنياهو، وديختر. وهم السلطة في إسرائيل منذ 1977، باستثناء سنوات قصيرة لباراك ورابين (وإذا لم تخنّي ذاكرتي فقُطع عمر الأخير بيد أحدهم).


الانسحاب أنهى فصلًا من العمى الأخلاقي، حيث حصلت قلة من الإسرائيليين على مخصصات أرض وموارد غير متناسبة لإقامة فيلات فاخرة وسط بحر من اللاجئين. هؤلاء اللاجئون، مئات الآلاف الذين دُفعوا إلى القطاع على يد إسرائيل الفتية منذ 1948، عاشوا في فقر مدقع وفي اكتظاظ لا مثيل له في العالم.


والأرقام تتحدث: 8000 مستوطن مقابل مليون ونصف فلسطيني. كم كانوا بالنسبة المئوية؟ نسبة ضئيلة. لكن عندما يتعلق الأمر بالأراضي، جلس هؤلاء المستوطنون على 20% من أراضي غزة. خُمس! وكذلك المياه: استهلاك المياه اليومي للمستوطن في غزة آنذاك كان قريبًا من 600 لتر يوميًا. أما الاستهلاك اليومي للفلسطيني في غزة فكان 70–90 لترًا يوميًا فقط (أقل بكثير من الحد الأدنى الدولي). كانوا عطاشى “أبطال” نوفيك، مساكين. نعم، كان لديهم زراعة مُزدهرة. إقطاعيون من أبناء ديانة موسى وظّفوا آلاف الفلسطينيين ومئات التايلانديين بشروط عبودية حديثة. هؤلاء ربحوا وأولئك سُلبوا. وهكذا جاء الفداء لصهيون. هذا هو “ملح الأرض” من هذا النوع.


النهب الإسرائيلي في غزة كان سطوًا استعماريًا في وضح النهار، بمبادرة ودعم حكومات إسرائيل المتعاقبة، حتى من حزب العمل. مياه وأراضٍ وبنى تحتية تدفقت إلى المستوطنين، بينما إلى جانبهم مباشرة، خلف الأسوار، عائلات كاملة تكافح من أجل البقاء الأساسي. من يبكي اليوم غوش قطيف لا يندب العدالة ولا إصلاح المظالم، بل يندب فقدان الدلال: حياة الراحة المنفصلة، العمى الذي لم يرَ من دفع ثمنها. ولم نتحدث بعد عن الاستثمار الضخم في حماية هؤلاء “الرواد”: حواجز، أسوار، قوات خاطروا بحياتهم، قتلى إسرائيليون وفلسطينيون. كل الوسائل النجسة من أجل راحة سكان جنة صغيرة. عنهم قال مرة وودي ألن: إذا لم تكن الغاية تُقدّس الوسيلة، فما الذي يفعل؟


موشيه دايان كان محقًا

من الصعب المبالغة في القوة النبوئية لكلمات موشيه دايان، التي قيلت في رثاء روعي روتبرغ في كيبوتس ناحل عوز عام 1956: *“لا نلقِ اليوم بالاتهامات على القتلة. لماذا نتهمهم بكراهيتهم الشديدة لنا؟ لقد جلسوا ثماني سنوات في مخيمات اللاجئين في غزة، وأمام أعينهم حوّلنا لأنفسنا الأرض والقرى التي جلسوا هم وآباؤهم فيها”*. دايان الأعور رأى بالفعل كل الواقع، لكنه استخلص منه فقط استنتاجات نوفيك المحدودة: *“لا نرتدع من رؤية الكراهية التي تملأ حياة مئات آلاف العرب حولنا، والذين ينتظرون اللحظة التي يستطيعون فيها الوصول إلى دمنا. لا نُشيح أنظارنا لئلا تضعف يدنا. هذه هي قَدَر جيلنا. هذه هي خيار حياتنا – أن نكون جاهزين ومسلحين أقوياء وصلبين، أو أن تسقط السيف من قبضتنا – فتُقطع حياتنا”*.


كان دايان يتحدث آنذاك عن كيبوتس شاب أقيم على أنقاض قرية فلسطينية. غوش قطيف كان ألف ضعف من العمى والشر: جزر من الحدائق وسط مأساة إنسانية بلا مخرج. وهذا ما يشتاق إليه اليمين الإسرائيلي. لأنه إن كان هناك شيء يحبه يميننا “الوطني” أكثر من كل الأراضي، وكل الحقوق، وكل القوة، وكل الموارد، وكل لعب دور الضحية المستمر – فهو الكراهية. كراهية الجميع، طوال الوقت، على كل شيء. ما عدا أنفسهم، بالطبع.


شارون وبذور الفوضى

أب الفساد الحالي هو أريئيل شارون "خاصتهم" والانسحاب دليل. بعيدًا عن سؤال الأخلاق، هناك أيضًا سؤال المنهج؛ الطريقة التي أدار بها شارون الانسحاب. كل شيء كان آنذاك أحاديًا. بدل قيادة خطوة سياسية متفق عليها مع شريك معترف به، اختار شارون عرضًا فرديًا: قرار شخص واحد، اتخذ فوق رؤوس الجمهور وممثليه، مع دوس قواعد اللعبة الديمقراطية الداخلية. هكذا بُنيت ثقافة تجاوز المؤسسات، واحتقار التوافق الديمقراطي، وتجاهل الاستفتاء، وتطبيق عدواني لـ"أنا وبعدي الطوفان". من دون حوار حقيقي مع أحد، وبالأخص لا مع السلطة الفلسطينية التي كان يمكن أن تنمو من هناك لتصبح شريكًا كاملاً. من هناك نمت جذور الخراب الداخلي الذي نعيشه اليوم. شارون، رجل اليمين الأناركي، احتقر الدولة ومؤسساتها وداسها غير مرة، واحدًا تلو الآخر. ولهذا أعجب به كل زعران اليمين الذين وُلدوا من رحمه ويعملون اليوم على شاكلته. كطفل تعرّض للعنف فيصير والدًا عنيفًا بدوره. يبكون على إرثه ويفعلون مثله تمامًا.


الانسحاب نفسه كان خطوة صحيحة من الناحية الأخلاقية، لكن طريقة تنفيذه كانت خاطئة. لم يُحرر غزة من الحصار ولا إسرائيل من السيطرة، ولم يبنِ أي مستقبل مشترك. النتيجة كانت مزدوجة: من جهة، وهم انتهاء الاستعمار الوحشي داخل القطاع؛ ومن جهة أخرى، تقوية الفوضى السياسية والمدنية في إسرائيل. ثمار شارون المُرّة، الأناركية والغرور في حينه، نقطفها اليوم.


لذلك، أنا لست معنيًا بدموع التماسيح لمُتَحسّري الإخلاء، ولا أشترك في معابده ومؤيديه. أنا أنتظر اليوم الذي يرفع فيه القادة والمفكرون والناخبون الغشاوة عن أعينهم، ويشفون من العمى الجزئي الذي أدمنوه، ويريدون سلامًا حقيقيًا أساسه: المساواة، والاعتراف بمظالم الماضي، والأسى الحقيقي على جميع الضحايا، والإصلاح المشترك من أجل أجيال المستقبل.

ree

bottom of page